اسماعيل بن محمد القونوي

136

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فلا يتناول عصاة الموحدين وحالهم مسكوت عنها كما في أكثر المواضع فتقديم المسند إليه على الخبر المشتق يفيد الحصر كقوله تعالى : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [ هود : 91 ] . قوله : ( وقيل معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور ) وهذا يؤيد ما ذكرناه من أن قيد يوم الدين لكون عذاب القبر أخف منه مرضه لأنه لا يفهم منه الخلود « 1 » وإن فهم من موضع آخر والمراد بالغيبة عدم الحضور وعدم الغيبة كناية عن عدم الانفكاك إذ الغيبة الحقيقية لا تناسب هنا والنفي تابع للاثبات والسموم « 2 » حر نار تنفذ في المسام قوله : وما يغيبون إشارة إلى أن غائبين للاستمرار وأما كونه لحكاية الحال الماضية فلا يناسب هنا قيل وعلى هذا الواو للعطف فيقتضي تغاير المتعاطفين أي أنهم ليسوا الآن غائبين عن الجحيم وعلى الأول للحال المقدرة ووجه على ما قيل إن الواو على هذا المعنى ليست للحال لانفصال ما بين الصلى وعذاب القبر بالبعث وما في موقف الحساب فيكون للعطف فيحمل اسم الفاعل في المعطوف أعني غائبين على الحال ليتغاير المعطوف عليه الذي أريد به الاستقبال فقوله قبل ذلك إشارة إليه بنوع إشارة وكون بعض الفجار في زمرة الأحياء وبعضهم لم يخلق بعد لا يضر لأن الكلام محمول على التغليب أي غلب من هو المعذب في القبر على من هو المعذب بعد الموت فهذا يدل على عذاب القبر ويدل أيضا على إثابة المطيع في القبر إذ لا قائل بالفصل وفي الكشاف أخبر اللّه تعالى في هذه السورة لابن آدم ثلاث حالات حال الحياة التي يحفظ فيها عمله وحال الآخرة التي يجازى فيها وحال البرزخ وهو قوله تعالى : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [ الانفطار : 16 ] انتهى والمعتزلة أنكروا عذاب القبر والإثابة فيها وبيان هذا عجب من صاحب الكشاف إلا أن يقال إنه خالف قومه في ذلك . قوله تعالى : [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) قوله : ( وَما أَدْراكَ [ الانفطار : 17 ] ) أي أي شيء جعلك داريا ما يوم الدين على أن ما الاستفهامية مبتدأ خبره يوم الدين أو بالعكس والأول مختار سيبويه والجملة معلق عنها وحاصل المعنى ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله حتى يقاس عليه وإلى ذلك أشار المصنف بقوله : أي كنه أمره الخ . الزمخشري في تفسيره دلت على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص بناء على مذهبه والحق أنه دال على الاختصاص لأن ايلاء الضمير حرف النفي يدل على أن الكلام في الفاعل لا في الفعل وهذه القاعدة متفق عليها فلا يجوز أن يعدل عنها إلى ما يوافقه القاعدة . قوله : وما يغيبون عنها قبل ذلك فعلى هذا يكون الواو للعطف أي يصلونها وأنهم ليسوا بغائبين عنها وأما على الوجه الأول فللحال أي يصلونها غير غائبين عنها أي مخلدين فيها .

--> ( 1 ) وقيل لأنه خلاف الظاهر يرتكب من غير داع والداعي إليه هناك الإشارة إلى عذاب القبر . ( 2 ) بفتح السين والمعنى ما ذكر وقيل معناه الريح الحارة وبضم السين حرها وهذا يخالف ما ذكره المصنف في سورة الواقعة .